حميد مجيد هدو

54

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)

بالتحقيق المتين ، ويجلّيها بالبرهان القاطع . هذا البرهان قد يكون نقليّاً وقد يكون عقليّاً . إنّه ينزع هذا المنزع في الأمور التي تواضع أكثر الناس عليها وقد يكون أولئك ( الناس ) ممّن تعصّبوا للقول بها وعاشوا على إثباتها وتكريسها في الحياة العمليّة لعقائدهم . وكمثل على ذلك : حين يبحث سماحته عن « طريق الوصول إلى الحبّ الإلهي » فإنّه يبتعد كلّ الابتعاد عن الإعمام الصوفي غير المحقّق لهذه الحقيقة ، كالذي نقرؤه للشيخ « محيى الدِّين بن عربي » في قوله في هذا الصدد « 1 » : « اعلم وفّقك الله أنّ الحبّ مقامٌ إلهي ، فإنّه وصف به نفسه وتَسمّى بالودود ، وفي الخبر : بالمحبّ . وممّا أوحى الله به إلى موسى في التوراة : يا ابن آدم إنّي وحقّي ، لكَ محبّ ، فبحقّي عليك كُن لي محبّاً . وقد وردت المحبّة في القرآن والسنّة في حقّ الله وفي حقّ المخلوقين وذكر أصناف المحبوبين بصفتهم ، وذكر الصفات التي لا يحبّها الله ، وذكر الأصناف الذين لا يحبّهم الله ، فقال تعالى لنبيّه ( ص ) آمراً أن يقول لنا : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ( آل عمران : 31 ) . . . » . فابن عربي وهو المتصوّف المتمرّس في محاولة شدّ النفوس والقلوب إلى فهم ما يقول نراه في طرحه لهذه المسألة ، يتحدّث عمّا يؤمن به هو من غير حاجة منه إلى دليل يستند إليه من عقل أو نقل ، اللّهُمَّ إلّا آيات يوجّه بها فهمه لظاهرة الحبّ الإلهي . أمّا السيّد الحيدري فإنّه يعرض للأمر بأسلوب آخر ، إنّه يرشد مريدي فكرته إلى سبيل الوصول إليها بشكل يوحي للقارئ بأنّ دليله الذي يهديه إلى ما يُريد ، عارف بأسرار الفكرة ، مقتنع بجدواها في الوصول إلى المراد .

--> ( 1 ) راجع الفتوحات المكّية للشيخ الأكبر محيي الدِّين بن عربي ، ضبطه وصحّحه ووضع فهارسه أحمد شمس الدِّين ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، 1420 ه ، بيروت : ج 2 ص 317 .